الغزالي

131

إحياء علوم الدين

أغلقه . فرجع ذات يوم فإذا برجل في جوف البيت ، فقال من أدخلك دارى ؟ فقال أدخلنيها ربها . فقال أنا ربها . فقال أدخلنيها من هو أملك بها منى ومنك . فقال من أنت من الملائكة ؟ قال أنا ملك الموت . قال هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح المؤمن ؟ قال نعم فأعرض عنى ، فأعرض ثم التفت فإذا هو بشاب ، فذكر من حسن وجهه وحسن ثيابه وطيب ريحه ، فقال يا ملك الموت ، لو لم يلق المؤمن عند الموت إلا صورتك كان حسبه ومنها مشاهدة الملكين الحافظين . قال وهيب : بلغنا أنه ما من ميت يموت حتى يتراءى له ملكاه الكاتبان عمله . فإن كان مطيعا قالا له . جزاك الله عنا خيرا ، فرب مجلس صدق أجلستنا ، وعمل صالح أحضرتنا ، وإن كان فاجرا قالا له لا جزاك الله عنا خيرا فرب مجلس سوء أجلستنا ، وعمل غير صالح أحضرتنا ، وكلام قبيح أسمعتنا ، فلا جزاك الله عنا خيرا . فذلك شخوص بصر الميت إليهما ، ولا يرجع إلى الدنيا أبدا الداهية الثالثة : مشاهدة العصاة مواضعهم من النار ، وخوفهم قبل المشاهدة . فإنهم في حال السكرات قد تخاذلت قواهم ، واستسلمت للخروج أرواحهم ، ولن تخرج أرواحهم ما لم يسمعوا نغمة ملك الموت بأحد البشريين ، إما أبشر يا عدوّ الله بالنار ، أو أبشر يا ولىّ الله بالجنة . ومن هذا كان خوف أرباب الألباب . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « لن يخرج أحدكم من الدّنيا حتّى يعلم أين مصيره وحتّى يرى مقعده من الجنّة أو النّار » . وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه » فقالوا . كلنا نكره الموت . قال « ليس ذاك بذاك إنّ المؤمن إذا فرج له عمّا هو قادم عليه أحبّ لقاء الله وأحبّ الله لقاءه » وروي أن حذيفة بن اليمان قال لابن مسعود وهو لما به من آخر الليل . قم فانظر